محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
136
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وقيل : إن الفضيل بن عياض رضي اللّه تعالى عنه بكى في ليلة قرّة « 1 » ثم قال : إلهي أجعتني وأجعت عيالي ، وأعريتني وأعريت عيالي ، وأقعدتني وأقعدت عيالي في بيت ليس فيه مصباح ، وقديما تفعل هذا بأوليائك وأهل طاعتك ، إلهي ، فبأيّ عمل أستحق هذا منك حتى أداوم لك عليه » . وقيل للربيع بن خيثم « 2 » ، رضي اللّه تعالى عنه : قد غلا السعر ! ! فقال : نحن أهون على اللّه من أن يجيعنا ، إنما يجيع أولياءه . متى أوحشك من خلقه فاعلم أنه يريد أن يفتح لك باب الانس به . فتح باب الأنس باللّه تعالى هو : الاستيحاش من الناس ، ولذلك قيل : « الاستئناس بالناس من علامات الإفلاس » . فإذا فتح لك هذا الباب استوحشت من الأغيار كلّها ، وتحققت في أنسك بربك ، ومعنى الوحشة هنا أن تشمئز بقلبك منهم ، وتنقبض عنهم بسرّك ، ولا يكون للأشياء وقع عندك ، ولا تجد فيها مقنعا لك ، كما جاء عن أبي يزيد البسطامي رضي اللّه تعالى عنه حين اطلع على أنواع من العجائب ، ووجه بسنيّ الرغائب ، وكشف له عن الملكوت الأعلى ، فقيل له : هل استحسنت منها شيئا ؟ فقال : لم أر شيئا أستحسنه ! ! فقيل له : أنت عبد اللّه حقا . فإذا كان العبد على هذا الوصف كان ذلك علامة على تحققه بمقام الأنس ، ونزوله في حضرة القدس ، وسيأتي هذا المعنى في قوله في مناجاته : ( أنت المؤنس لهم حيث أوحشتهم العوالم ) . متى أطلق لسانك بالطلب فاعلم أنه يريد أن يعطيك . إطلاق اللسان بالطلب هو أن يحل عنه عقدة الصمت الذي أوجبه الاستغناء بالأغيار ، وعدم رؤية الفاقة والافتقار ، فإذا حلّ عنه هذه العقدة بشهود فقره وفاقته ، وأطلق لسانه بالطلب ، كان إذ ذاك داعيا بلسان الاضطرار ، وكان مجاب الدعوة لصدق الوعد بإجابة دعوة المضطر ، واللّه لا يخلف الميعاد ، وأنشدوا : لو لم ترد نيل ما أرجوه من طلب * من فيض جودك ما ألهمتني الطلبا
--> ( 1 ) ليلة مرّة : باردة . ( 2 ) انظر ترجمته في تهذيب الكمال 6 / 130 .